الشيخ محمد علي التسخيري
232
محاضرات في علوم القرآن
أجلها القرآن الكريم . ولذا عمل الباحثون في علوم القرآن على استكشاف وجوه الحكمة في المتشابهات في القرآن . وعلى هذا الأساس ذكرت وجوه متعدّدة ومختلفة تتأرجح بين الضعف وغاية القوة والمتانة . « 1 » وسوف نشير في بحثنا إلى بعضها مع مناقشة ما يستحقّ النقد منها . الأوّل : ما ذكره الشيخ محمّد عبده أنّ اللّه سبحانه أنزل التشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به فإنّه لو كان كلّ ما ورد في الكتاب واضحا لا شبهة فيه عند أحد من الأذكياء ولا من بلهاء البلاد لما كان في الإيمان به شيء من معنى الخضوع لما أنزل اللّه تعالى والتسليم لما جاءت به رسله . « 2 » وقد ناقشه العلّامة الطباطبائي بأنّ الخضوع هو انفعال معيّن وتأثّر خاصّ من قبل الضعيف في مقابل القوي . ولا يكون ذلك من الإنسان إلّا لما يدرك عظمته أو لشيء لا يتمكّن من إدراكه لعظمته وكبره كقدرة اللّه وعظمته وسائر صفاته إذا واجهها العقل رجع القهقرى لعجزه عن الإحاطة به . وهذان الأمران غير واردين في المتشابه ؛ لأنّه وإن كان من الأمور التي لا يدركها العقل ولا ينالها ولكنه يغتر باعتقاده لادراكها وحينئذ لا معنى لخضوعه لها . « 3 » ولكنّ هذه المناقشة لا يمكن الالتزام بها ؛ وذلك لأنّ معنى الامتحان بالمتشابه هو وضعه كمقياس بين المؤمن وغيره . فالمؤمن من آمن به استسلاما منه للمتشابه وإن لم يدرك كنهه دون محاولة تأويله . والذي زاغ قلبه يغترّ به ويدّعي معرفة
--> ( 1 ) راجع بهذا الصدد الفخر الرازي ، التفسير الكبير ، ج 7 ، ص 184 - 185 ؛ والسيوطي الإتقان ، ج 2 ، ص 12 - 13 والزرقاني ، مناهل العرفان ، ج 2 ، ص 178 - 181 . ( 2 ) رشيد رضا ، تفسير المنار ، ج 3 ، ص 170 . ( 3 ) انظر الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن ، ج 3 ، ص 57 .